أبو الليث السمرقندي

45

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، يعني أن هذه الشجرة شجرة الخلد ، فمن أكل منها يبقى في الجنة أبدا . ويقال : إن حواء قالت لآدم : تعال حتى نأكل من هذه الشجرة فقال آدم : قد نهانا ربنا عن أكل هذه الشجرة فأخذت حواء بيده حتى جاءت به إلى الشجرة ، وكان يحب حواء فكره أن يخالفها لحبه إياها وكان آدم يقول لها : لا تفعلي فإني أخاف العقوبة . وكانت حواء تقول ، إن رحمة اللّه واسعة فأخذت من ثمرها وأكلت . ثم قالت لآدم : هل أصابني شيء بأكلها ؟ - وإنما لم يصبها شيء بأكلها لأنها كانت تابعة ، وآدم متبوعا فما دام المتبوع على الصلاح يتجاوز عن التابع ، فإذا فسد المتبوع فسد التابع - ثم أخذت ثمرة أخرى ودفعتها إلى آدم . فلما أكل آدم لم تصل إلى جوفه حتى أخذتهما الرعدة ، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلي والحلل وغيرهما وعريا عن الثياب ، حتى بدت عوراتهما فاستحيا وهربا . قال اللّه تعالى : يا آدم أمني تهرب ؟ قال : لا ولكن حياء من ذنبي . فأخذا من أوراق التين ، وألصقا على عوراتهما . ثم أمرهما اللّه تعالى بأن يهبطا منها إلى الأرض ، فوقع آدم بأرض الهند ، وحواء بجدة . وروي عن ابن عباس أنه قال : إنما سمي الإنسان إنسانا ، لأن اللّه عهد إليه فنسي أي ترك . وقوله تعالى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي آدم وحواء وإبليس والحية ، فبقي بين إبليس وبين أولاد آدم العداوة إلى يوم القيامة . وكذلك بين الحية وبين أولاد آدم عداوة إلى يوم القيامة . ثم قال : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ، أي موضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، أي الحياة والعيش إلى الموت . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 37 ] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ، قرأ ابن كثير فَتَلَقَّى آدَمُ بنصب آدم ورفع كلمات . وقرأ غيره برفع آدم وكسر كلمات . فأما من قرأ فَتَلَقَّى آدَمُ بالرفع فمعناه أخذ وقيل من ربه . ومن قرأ ينصب آدم . يعني استقبلته كلمات من ربه . يقال : تلقيت فلانا بمعنى استقبلته . ومعنى ذلك كله : أن اللّه تعالى ألهمه كلمات ، فاعتذر بتلك الكلمات وتضرع إليه ، فتاب اللّه عليه . وروي عن مجاهد أنه قال : تلك الكلمات هي قوله عز وجل : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] الآية . وقال بعضهم : قال : بحق محمد أن تقبل توبتي . قال اللّه له : ومن أين عرفت محمدا ؟ قال : رأيت في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك . فتاب اللّه عليه . وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : الكلمات هي قوله سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، رب عملت سوءا